مصطفى صادق الرافعي
89
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
غيرهم إشارات من الغيب بضروب من الحساب ، كهذا الذي ينسبونه إلى الحسن بن علي رضي اللّه عنه من أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأى في رؤياه ملوك بني أمية رجلا رجلا ، فساءه ذلك ، فأنزل اللّه عليه ما يسرّي عنه من قوله في القرآن إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قالوا يعني بألف شهر مدة الدولة الأموية ! فقد كانت أيامها خالصة ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر مجموعها ألف شهر سواء « 1 » وحتى زعم بعضهم أن الكلمات التي في أوائل السور إنما تحتوي مدد أعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة ، وإن فيها تاريخ ما مضى وما بقي مضروبا بعضها في بعض ، إلا كثير من مثل هذا مما يخطئه الحصر ، وإنما أشرنا إلى بعضه لغرابته ، ولأن أغرب ما فيه أنه عند أهله من بعض ما يفسّر به القرآن « 2 » .
--> ( 1 ) ومن أعجب ما وقفنا عليه ، أن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي أمر في حلب بصنع منبر لبيت المقدس قبل فتحه وانتزاعه من أيدي الإفرنج بنيف وعشرين سنة . قال صاحب ( الروضتين ) بعد أن ذكر أن هذا قد يكون كرامة له : ثم يحتمل أن يكون ( رحمه اللّه ) وقف على ما ذكره أبو الحكم بن برجان الأندلسي في تفسيره . فإنه أخبر عن فتح القدس والسنة التي فتح فيها ، وعمر نور الدين إذ ذاك إحدى عشرة سنة ، وقد رأيت أنا ذلك في كتابه : ذكر تفسير أول سورة الروم ، أن البيت المقدس استولت عليه الروم عام سبع وثمانين وأربعمائة ، وأشار أنه يبقى بأيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاث وثمانين سنة ، قال : ونحن في عام اثنتين وعشرين وخمسمائة ، فلم يستبعد نور الدين ( رحمه اللّه ) لما وقف عليه أن يمتد عمره إليه ، فهيأ أسبابه حتى منبر الخطابة فيه ، تقربا إلى اللّه تعالى بما يبديه من طاعته ويخفيه ، قال : وهذا الذي ذكره أبو الحكم الأندلسي في تفسيره من عجائب ما اتفق لهذه الأمة المرحومة ، وقد تكلم عليه شيخنا أبو الحسن علي بن محمد في تفسيره الأول فقال : وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي في أول سورة الروم إخبار عن فتح بيت المقدس ، وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة . قال لي بعض الفقهاء : إنه استخرج ذلك من فاتحة السورة . قال : فأخذت السورة وكشفت عن ذلك فلم أره أخذ ذلك من الحروف ، وإنما أخذه فيما زعم من قوله تعالى : غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ . فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون . ثم ذكر أنهم يغلبون في سنة كذا على ما تقتضيه دوائر التقدير . قلنا : وكيفما كان الأمر فإنه لمعجزة . ( 2 ) أما المتصوفة ومن يقلدون علم الباطن فلا حصر لمذاهبهم وأقوالهم في تفسير القرآن . وبخاصة المتأخرين منهم لهم في ذلك المزاعم العريضة مما يخرج عن أن يكون من علم الناس فإلى اللّه أمره . وقد ذكر الشيخ محيي الدين بن العربي في ( الفتوحات ) عند تفسير قوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ أن قوله أَحْصَيْناهُ يدل على أنه تعالى ما أودع فيه إلا علوما متناهية مع كونها خارجة عن الحصر لنا . قال : وقد سألت بعض العلماء باللّه تعالى : هل يصح لأحد حصر ( أمهات ) هذه العلوم فقال : نعم ، هي مائة ألف نوع وتسعة وعشرون ألف نوع وستمائة نوع ، كل نوع منها يحتوي على علوم لا يعلمها إلا اللّه تعالى . ا ه بنصه . قلنا : قد ألف بعض علماء القوم كتابا سماه « تنبيه الأغنياء ، على قطرة من بحر علوم الأولياء » كانت